السيد محمد تقي المدرسي
64
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)
إن الإنسان المسلم لا يعترف بحق المسلمين فحسب ، بل هو مأمور وملزم بالاعتراف بحقوق كل إنسان . . والحديثالشريف المروي عن رسول اللَّهصلى الله عليه وآله وسلم يؤكد بهذا الصدد : ( لكل كبدٍ حرّا أجر ؛ « 1 » أي أن المسلم إذا صادفكافراً مشرفاً على الهلاك عطشاً في صحراء - مثلًا - عليه أن يسقيه الماء ، ليحصل على الثواب والأجر . وهكذا عملأمير المؤمنينعليه السلام في معركة صفين ، حيث أباح الماء لجيش معاوية الذين جاؤوا لقتاله ، وهو الجيش نفسه الذي كان قدمنع على أصحابه الماء بادئ الأمر ، رغم أن علياًعليه السلام كان بإمكانه منع جيش معاوية من الماء كردّ المثل بالمثل . وهكذاأيضاً قام الإمام الحسينعليه السلام بسقي الذين خرجوا لحربه الماء ، رغم علمه بأنهم قاتلِوه لا محالة ، ورغم أنه يعلم ويعيحقيقة أن الخارج على إمام زمانه محكوم بالكفر ، ولكنه سقاهم - حتى بيديه الكريمتين مباشرةً - ليؤكد لهم وللتاريخالأصل الإسلامي الأصيل القائل بضرورة احترام حقوق الإنسان كإنسان . وقد قال الإمام أمير المؤمنينعليه السلام فيمعرض عهده لمالك الأشتر النخعي حينما بعثه إلى مصر والياً : ( فإنهم ( الناس ) صنفان ؛ إما أخٌ لك فيالدين أو نظيرٌ لك في الخلق ) « 2 » . وهذا لعمري إقرار تام وصريح ومطلق بحرمة الإنسان ، وهو دعوة مباشرةللاعتراف بحقوق الإنسان في المبدأ والعيش . إن من الواجب الصريح على كل إنسان أن يسعى جهده ليسد أبواب الظلم والبغي والاعتداء والخداع ، وليفتح باباًواحدة هي باب التنافس الشريف والمسابقة إلى الخير . فكل منّا ليس له الحق في مصادرة حق جاره أو صديقه ، بل علىالجميع أن يبحثوا عن طريق لاستصلاح الأرض والاستفادة من الإمكانات الواسعة والطائلة في هذه الأرض ، فيحصلوا على رزقهم ، دون المساس برزق الآخرين عن طريق الغزو والاعتداء والتطاول . وقد قال تبارك وتعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) . فابن آدم في غناً مطلقٍ عن حطام الدنيا والتشاجر من أجله عبر الحروبوافتعال الأزمات التي يقع ضحيتها الفقير والضعيف . ها هو كتاب اللَّه ؛ خالق الخلق جميعاً ، يخاطبهم بقوله المبارك : ( يَآ أَيُّهَا النَّاسُ ) ،
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 71 ، ص 370 . ( 2 ) بحار الأنوار ، ج 74 ، ص 241 .